التوجيه: حجر الأساس لتطوير ريادة الأعمال في المجتمع

hero_journey_mowgli

رحلة البطل

في اليوم الأخير من شهر أيار 2016، تذكرتُ الأيام التي قضيتها في بلودان إحدى ضواحي دمشق الجميلة في تشرين الأول من عام 2010 برفقة رواد وموجهي ومدربي مؤسسة موغلي Mowgli Foundation، مؤسسة عالمية تأسست في المملكة المتحدة عام 2008 لدعم رواد الأعمال في غرب آسيا وشمال افريقيا عن طريق التوجيه والإرشاد، وكانت مشاركتي في البرنامج دفعة قوية بالنسبة لي باتجاه التوجه الواثق نحو النجاح.

عرفتني موغلي على رحلة البطل التي تظهر في الصورة أعلاه – وفي الحقيقة كلنا يمكن أن نكون أبطالاً بطريقة ما – عن جوزيف كامبل “البطل بألف وجه” ، والتي تبدأ من النداء للتغيير (المرحلة 2) الذي يشّد الريادي لأخذ طريق غير عاديٍ في الحياة، فإذا قابل موجهاً (المرحلة 4) سهل عليه المحطات الأكثر تحدياً في شق طريقه في الحياة ومقابلة الأعداء والشركاء ومواجهة الظلمة والاحباط والانكسار، عندها يكون دور الموجه في جعل هذه الرحلة درساً مليئاً بالعبر والإنجاز، فإذا قادها الريادي لوحده فهناك احتمال كبير أن يحبط أو يقف قبل العودة إلى العالم الاعتيادي بنظرة أخرى ومنطلق جديد وإسهام مميز، واليوم أتذكر هذه القصة واستشعر أكثر معنى أن تُلبي النداء وتعيش الرحلة وتدعم غيرك ليلبي نداءه ويمارس شغفه.

تعرفت في هذا البرنامج على اشخاص مميزين منهم موجهتي م. نيرمين حسن، أتذكرهم اليوم  وأنا أحضر الويبنار Webinar الذي دعت إليه مؤسسة موغلي لتطلق التقرير الذي أعدته بعد خدمتها لهذه المنطقة لأكثر من 8 سنوات في 13 دولة بعنوان ” تنمية الموارد البشرية: الحلقة المفقودة في قطاع ريادة الاعمال في الشرق اوسط وشمال افريقيا”، يتحدث فيه المؤسس والرئيس توني بوري Tony Bury ، وهو رائد أعمال رفيع المستوى قام بتأسيس 19 عملاً ومنظمة، 14 منها كانت في المنطقة العربية، أن تنمية الموارد البشرية الريادية هو أهم عامل في بناء النظام البيئ لريادة الأعمال ما يدعى الـيوم بالانكليزية بـ Ecosystem، وأن للتوجيه المتكامل مهنياً وحياتياً عوائد هائلة على رائد العمل وشركته والاقتصاد ككل تصل إلى 890% كعائد على الاستثمار في التوجيه ما دعته موغلي مؤشر ROMI في التقرير الذي أعدته في 2013.

تقوم مؤسسة موغلي ببرامج لربط رجال أعمال ومدراءٍ كبار أتوا من كل أنحاء العالم مع رواد أعمال محليين بهدف إقامة علاقات توجيه مميزة ذات إنتاجية عالية تساعد المشاركين جميعاً على بناء مجتمع ريادة عالمي وتعزيز الأعمال المحلية وتقويتها، مستفيدين من الخبرات العالمية والمحلية للموجهين الذين يتلقون تدريبا مكثفاً ليقوموا بدورهم في تمكين الرواد ودعمهم في مسيرتهم الريادية التي لا تخلوا من صعوبات وإنجازات، لتحفيزهم على أخذ الدروس وتجاوز الفشل والصعوبات، وتضع إنجازاتهم في سياقها لمزيد من الإنجاز والنجاح،  حيث قامت بأعمال تشهد لها هذه المنطقة حيث قامت موغلي بالتعاون مع أكثر من 900 موجه لتوجيه أكثر من 780 ريادي قاموا بخلق أكثر من 3470 فرصة عمل خلال تلك السنوات.

تضع موغلي التوجيه في مكانه بين طرق تنمية الموارد البشرية ضمن مراحل التنشئة والرعاية التي يحتاجها الرياديون ليكونوا ناجحين، والتي تلخصها في أربع مراحل تبدأ من مرحلة التربية الأولى في الأسرة، ومرحلة التعليم الابتدائي ثم التعليم الثانوني والجامعي وأخيراً في مرحلة مكان العمل، وتجد موغلي من خلال عملها في الشرق الأوسط أن المراحل آنفة الذكر تفتقر للثقافة الريادية، وحيث أن الكفاءة تتألف من معارف ومهارات وسلوكيات، يتم اكتساب المعارف والمهارات من خلال القراءة والتدريب والاستماع للنصيحة والقيام بالاختبارات والتقييم، ويتم تطوير السلوكيات عادة من خلال التدريب والتوجيه، وهذه الأخيرة أي تطوير السلوكيات هي التي تفتقر إليها المنطقة العربية بشدة والتي تساهم كثيراً في خفض كفاءة الرياديين في المنطقة بشكل عام، وإليه تعزو مؤسسة موغلي العوائد المرتفعة التي حققتها لأنها عالجت بالتحديد هذا الأمر بالتركيز على التوجيه كأداة لتحسين مستوى الكفاءة عند الريادين، حيث ساهمت في صقل ذواتهم من أجل إيجاد الهدف، وتطوير كفاءآتهم القيادية وقدرتهم على إدارة المخاطر وتجاوز المعوقات، حيث تعرفه كما يلي:

التوجيــه ُ – هـو علاقـة “واحـد لواحـد” موثوقـة للغايـة، طويلـة الا­مـد، يتمكـن الموجـه مـن خلالهـا من دعـم وخدمــة متلقــي التوجيــه بشــمولية علــى الصعيديــن المهنــي والشــخصي. التوجيــه ليــس لــه علاقــة ُ بتقديـم النصـح. التوجيـه هـو تبـاد ُل الخبـرات ووجهـات النظـر، إنعـكاس وتشـجيع حتـى يحقـق متلقـي ُ التوجيـه فـي نهايـة المطـاف تنميـة ذاتـه الداخليـة ، ثقتـه، شـعوره بالغايـة والتمكـن، وكذلـك القابليـة ُ والقدرة على المضي في رحلته قدماً حتى في أوقات الخطر

كما تهتم مؤسسة موغلي بالنظام البيئي المحيط برواد الأعمال في البلاد التي يعملون فيها، وتضع خارطة للأمور التي تصنع بيئة اقتصادية حاضنة ومحفزة لريادة الأعمال، فلا يكفي الاهتمام بالبنية التحتيتة وبيئة تطور الرياديين والتمويل إن لم يتم الاهتمام بتطوير الموارد البشرية التي تعمل بأساليب الريادة وهي طرق أثبتت فعاليتها عالمياً بحل كثير من تحديات الاقتصاد والمجتمع.

ecosystem_mowgli

النظام البيئي لريادة الأعمال

تدعو موغلي في هذا الويبنار إلى تطوير الموارد البشرية للرياديين ودعمها في هذه المهمة من خلال تطوير وتحضير الموجهين، وتقديم الأسس الضرورية لنجاح علاقة التوجيه، والربط الجيد بين متلقي التوجيه والموجه، وتسهيل عملية المتابعة والإشراف على عملية التوجيه، وهذه أمور مكلفة وفي غاية الأهمية لتطوير المجتمعات والاقتصاد في منطقتنا، ولموغلي خبرة عميقة في هذا المجال.

إن مجتمعاتنا تستحق أن يكون فيها موجهون من رواد الأعمال الناجحين وروادُ أعمال مستفيدين من هذا التوجيه يوظفونه في تطوير ذواتهم وتنمية شركاتهم ومجتمعاتهم.

تطوير الرياديين عن طريق التوجيه هو من أهم المهام في تطوير النظام الريادي إن لم يكن أهمها، فبالإضافة إلى أنه طريقة فعالة لتطوير القادة الذين يحدثون التغيير فهو الطريقة التي يمكن من خلال زيادة قصص النجاح، كما تتكاثر الكائنات الأكثر ملائمةً للوسط والتي تتشابه في سلوكها، كذلك تتكاثر المنظمات الناجحة عندما تتشارك أساليب النجاح، وتقوم هي بدورها بمعالجة كثير من مشاكل النظام الريادي، فبوجود الناجحين معاً على اتصال وتفاهم على القيم والممارسات وعندما يوجه أحدهم الآخر، يمكن أن يحدثوا آثاراً إيجابية على المجتمع والاقتصاد، إن وجود موجهين بخبرة عالمية له آثار إيجابية جداً في توسيع الآفاق وتصويب الممارسات، ووجود موجهين بخبرات محلية مميزة من قادة الأعمال والمؤسسات الحكومية والأساتذة له أثر في معرفة السلوكيات الأكثر فعالية للمستفيدين من التوجيه، تدعو موغلي المجتمعات العربية إلى الاهتمام بهذا الأمر، وقد حصلت بالفعل على دعم من المؤسسات التي أدركت دورها ورعت بعض أعمالها في المنطقة.

وهذا ملف الويبنار، ويمكن حضوره كاملاُ مع المناقشة على الرابط (بالانكليزية)، من المهم شكر فريق مؤسسة موغلي على هذه الجهود والمساهمة معهم في رحلتهم الملهمة لجعل التوجيه والإرشاد عادة في مجتمعاتنا  العربية، تبدأ من جامعاتنا ومؤسساتنا الحكومية وغير الحكومية وشركاتنا وجمعياتنا لنساهم جميعاً في دعم الرواد وتعزيز الثقافة الريادية.

وأختم بما قاله م. إياد الشامي : كان الدمشقيون يقولون “مين مالو كبير يشتريلو كبير” واليوم نقول ” مين مالو mentor يشتريلو mentor”، فلماذا لا نبدأ بأنفسنا ونقدم الدعم والخبرة والتوجيه لمن يحتاجها، ويمكن أن نقوم بالتوجيه المتبادل Mutual Mentorship بحيث يوجه كل منا الآخر ليقويه ويقدم له الدعم ويعينه فكل الأبطال بحاجة لمن يشد أزرهم ويشاركهم أمرهم حتى الأنبياء صلوات الله عليهم.

دور وسائل التواصل الاجتماعي في التنمية

تشرفت اليوم بدعوة جمعية حي مسجد الأقصاب الخيرية في دمشق لأقدم محاضرة عن دور وسائل التواصل الاجتماعي في التنمية، تضمنت عرضاً لوسائل التواصل الاجتماعي وكيف أننا كأفراد وأسر ومؤسسات ومجتمع نستطيع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لزيادة فعاليتنا وتماسك أسرتنا ونمو مجتمعتنا، وأننا أمام خيار إما أن نتحكم باستخدامنا لوسائل التواصل فستفيد وننمو أو نكون فريسة للفشل والتفكك والتردي.

يمكن مشاهدة ملف العرض التقديمي وتحميله على الرابط.

 

إدارة الموارد البشرية الإسلامية

مثلما اتجه الناس إلى المصارف الإسلامية لأنهم أرادوا الابتعاد عن الربا ومايتبعه وتحقيق رسالتهم الإسلامية في إعمار الأرض والإنسان ولضرورة المؤسسات المالية لمعاشهم وتطورهم، كذلك يتجه الناس إلى إدارة الموارد البشرية الإسلامية لأنهم يريدون تجنب الحرام وتحقيق رسالتهم الإسلامية وكذلك لضرورتها في بناء مؤسسات ناجحة.

تتميز إدارة الموارد البشرية الإسلامية أنها يجب أن تكون “شرعية” لاتخالف الدين الإسلامي وتحقق مقاصده، و”فعالة” تضمن استمرار عمل ناجح وتحقق رسالته.

إسهام عالمي أم تنمية مجتمع محلي!

stock-vector-small-world-vector-illustration-68490127يشترك الناس الناجحون وذوي الإسهامات المميزة في المجتمع وعلى مستوى العالم بشغفهم وحبهم واستمتاعهم بأعمالهم، يقودهم سعي لعالم أفضل وبناء يتعدى مصالحهم، إنهم يركزون على نقاط القوة ويستغلون الفرص التي تأتي في طريقهم ليخرجوا بأفضل النتائج، إنهم يتعاونون ويعملون مع أكفأ الناس في مجالاتهم، ويشاركون في بناء أقوى المؤسسات في محيطهم، يداومون التفكير والنقاش والعمل والإنتاج العلمي والمؤسساتي، فهم يعملون ويتعلمون ممن هم أكثر خبرة منهم وفي مؤسسات تتمتع بالإمكانيات لتأمين معيشتهم وتؤمن لهم كل ما يلزمهم للتطور والإبداع، إنهم يطورون مسارات مهنية متميزة وينمون مجتمعاتهم المحلية ويقدمون اسهامات حضارية وإنسانية.

إن تطوير مسار مهني وتقديم إسهام فردي ومؤسساتي مميز على مستوى العالم من جهة و تنمية المجتمع المحلي وبناء الأجيال من جهة أخرى لاتأتي متعارضة لبعض الناس في بعض المجتمعات، بينما على الناس في مجتمعات أخرى أن يختاروا بين الأمرين، أو أن يبدعوا طرقهم الخاصة.

فمثلاً إن مهارات تخطيط وإدارة المسار المهني والتي يتطلبها كل فرد لم تعد حكراً على قلة من الناس أولئك الذين يحظون بفرصة للتوجيه والتدريب عالي الجودة ، فقد أصبحت الدورات التي توجه الشباب وتصقل المهارات الإدارية والشخصية والتقنية مقدمة مجاناً لأعداد كبيرة من الناس، تلك التي تعرف بـ MOOC، فمع بدء كل يوم تفتتح مئات الدورات وتنشر آلاف المقالات، إذ ثبت أن هذه المعلومات تغير حياة الكثير من الناس عن طريق تفاعل فعال بين المعلومات وعناصر في المجتمع المحلي قد تؤدي بهم للتغلب على الفقر والبطالة، إلا أن الإسهام العالمي في مجال معين يدعمه أن يحتوي المجتمع المحلي عناصر بعينها.

إننا في عصر مليىء بالأشياء المثيرة، إلا أنه أيضاً مليىء بالسراب والالتباس، إننا في عصر يضيىء فيه الإشعاع الحضاري للجميع، إلا أنه لا يدفئ إلا قلة من الناس، أصبح بإمكان الشباب في مجتمعاتنا معرفة كيفية تطوير مسار مهني مميز على مستوى العالم ولكنهم لايملكون – في غالبيتهم – كل الأدوات الكفيلة بذلك، إن الكثير منهم عليه أن يختار بين تنمية مجتمعه المحلي ومساعدة أبناء بلده والإسهام في نمو حضارته وبين تقديم إسهام إنساني مميز على مستوى العالم.

قديماً وفي في زمن ليس ببعيد ، كان انتقال الإشعاع الحضاري الإنساني والذي يمّكن الناس من التعاون في تحقيق المنجزات الحضارية واستلهام الأفكار واستثمار الكفاءآت يعتمد على تخطي عدد من العتبات تضمن التقارب أو الالتقاء الجغرافي وإمكانية تبادل المعلومات وفهم اللغة والقدرة على التواصل الثقافي والقيمي في ظل قانون أو نظام يضمن حركة الأشخاص والبضائع والأموال وإمكانية العمل بشكل رسمي بنّاء، إن توافر هذه الشروط ليست بالأمر الميسر، لذا فإن التعاون الحضاري كان يتم في شروط وأماكن محدودة في العالم، وكان حدوثه يعني ثورات وبزوغ حضارات ودول.

لقد أمنت ثورة المعلومات والاتصالات تكسير عدد من الحواجز لعدد كبير من الناس، إذ أمكن تبادل المعلومات والاتصال وحتى تبادل الصوت والصورة وفهم اللغات، وبدأ الناس بالتقارب الثقافي والقيمي – وإن كان يتم محدوداً وغامضاً أحياناً –  إلا أن صعوبات حركة الأشخاص ما تزال قائمة منها ما يتعلق بتكاليف الانتقال العالية – التي لاتتناسب مع الدخل في بعض المجتمعات – وأخرى تتعلق بإجراءآت الفيزا والقوانيين التي لاتضمن العمل أو التعاون في إطار قانوني للناس من جنسيات مختلفة، بالإضافة إلى قوانيين حركة الأموال والتي تتأثر بتغيرات السياسية، فما زال من الصعب على الناس تطوير نفس المستوى من الكفاءة وجودة المؤسسات، وذلك لتفاوت حظوظهم في الحصول على الفرص في إطارهم الجغرافي الذي يمكنهم من العمل والانجاز، إن السراب يكمن في أن الشباب يعتقدون أنه يمكنهم الانجاز في البحث وتقديم الأعمال المميزة دون المحيط المساعد والمؤسسات الداعمة والخبراء المتقدمين، أو أن اسهاماتهم عن بعد تعني تنمية للمجتمع المحلي دون أعمال على الأرض، إن ذلك يشبه رؤية الشمس وعدم القدرة على الاستفادة من دفئها وإشعاعها.

لايمكن للإشعاع الحضاري أن يحصل عن طريق تبادل المعلومات والأفكار وحتى الصوت والصورة وفهم اللغات المتبادل فقط، إنه يتطلب الإلتقاء بالناس وتمضية الوقت معهم وبناء علاقات الثقة والتعاون الحقيقي في إطار قانوني سياسي مالي يمكن الناس من الانتقال والعيش والعمل معاً، إنه يعني أيضاً أن المجتمع المحلي لايمكن أن يتطور بشباب يعيشون خارجه، فهل يمكن للتعاون بين المقيمين والمتطوعين والخبراء وذوي التجارب والمؤهلات والأموال في العالم أن يؤمن ما يترك للأجيال القادمة، فلا تخسر البلد شبابها ولايخسر الشباب تطورهم المهني وفرصتهم للتميز على مستوى العالم، فربما يحقق التعاون على هذا المستوى تأمين الحاجات المعاشية وفي نفس الوقت تأمين متطلبات البحث والتفكير والعمل والإبداع.

إن هذا الهاجس بين القيام بإسهام عالمي وبين تنمية المجتمع المحلي موجود في كثير من الأماكن في العالم، بين العيش في المدن الكبرى أو في الضواحي النائية، إنه الشغل الشاغل لصانعي السياسة وقادة المجتمعات والأعمال الاجتماعية والباحثين، إن تطوير مساحات الإبداع والعمل للأجيال في كل بقعة من البلاد هو مايحلم به الناس فتراهم يبدعون الأساليب ويمولون البنى التحتية والمؤسسات الحاضنة عرقاً وجهداً وفكراً ووقتاً ومالاً وإبداعات تقنية وإدارية وقانونية وسياسية.

من المفيد فهم هذه التجاذبات بوضوح والتفكير بها، إن ذلك يمكن المرء من تخطيط حياته ويجعله واعياً بالمساومات والتضحيات، بحيث يحقق شيئاً من الأمرين فيكون له اسهامه الحضاري والمحلي وكفاءته العلمية والعملية، كثير من الشباب يعي هذه التجاذبات فترى بعضهم يدرس في جامعات ممتازة على مستوى العالم ثم يعمل في أماكن ترفد ثقافته وحضارته، وبعضهم يعود ليعمل في مجتمعه ويساهم في بناء مؤسسات بلده ويظل على تواصل مع المجتمعات العلمية ويلتحق بالدورات الاحترافية العملية باستمرار، وبعضهم يبتدع الطرق لدعم مجتمعه فتراهم يتعاونون مع شباب آخرين ويستفيدون من وسائل الاتصال لتقديم خبراتهم فيلهمون الشباب للعمل والابتكار، ويقدمون خبرات ومهارات لا غنى عنها، وبعضهم يكتفي بالاسهام في تطوير مجتمع محلي غير ذلك الذي نشأ فيه فيكون له اسهامه في المجتمعات المحلية الأخرى يبني أفكاراً وعقولاً وانجازات.

إن التكامل بين الإسهام العالمي وتطوير المجتمع المحلي يكمن في التعاون بين الداخل والخارج بإسهامات من مواقع مختلفة ينتج على الأرض ماينفع الناس والأجيال والإنسانية، ويكمن أيضاً في تطوير البنى التي تكسر مابقي من حواجز أمام تكامل وتعاون حضاري أوسع.

مستشار أم مدير لإدارة الموارد البشرية

hr_tanacsadas

وجدت خلال الفترة الماضية ضرورة كتابة هذه التدوينة لعلي أساهم في التمييز بين أمرين مهمين وهما حاجة الشركة أو المنظمة لتعيين مدير لإدارة شؤون الأفراد أو ما يدعى إدارة الموارد البشرية وبين حاجتها للتعاقد مع مستشار في إدارة الموارد البشرية، ومالذي يمكن أن يقدمه كل منهما.

ومن خلال عملي في تقديم هذين النوعين من الخدمات وهي إدارة الموارد البشرية واستشارات إدارة الموارد البشرية في شركة الطاقة+ للاستشارات الإدارية، فيمكنني القول أن دور مدير إدارة الموارد البشرية وبالتعاون مع فريقه وفريق الإدارة التنفيذية يكمن في التخطيط والتنفيذ الاستراتيجي والعملياتي لشؤون إدارة الأفراد>

إن المدير يتخذ القرارات المتعلقة ببناء النظام الإداري لإدارة الموارد البشرية وإنشاء البيئة الأنسب لجذب وتطوير وتحفيز المواهب talent بناء على معطيات الواقع وعلى المواهب والكفاءآت الفعلية الموجودة في المنظمة والمتاحة له في سوق العمل، ومن الضروري التأكيد على كلمة “فعلية” و “موجودة” فهو بذلك يعمل مع الفريق الإداري على تزويد المنظمة بما تحتاجه من الكفاءآت لتقديم الخدمات والمنتجات في الأسواق التي تعمل فيها، وقد فصلت في دور كل من مدير إدارة الموارد البشرية ومدراء الأعمال في تدوينة سابقة، فالمدير يقود جهود تأمين وإدارة شؤون الأفراد في المنظمة لتحقيق مهمتها وغايتها، ويمكن أن تقوم شركة خارجية بتقديم هذا النوع من الخدمات وتدعى عادة شريك إدارة الموارد البشرية HR Partner.

أما المستشار وإلى جانب تقديمه لمهام متنوعة مثل القيام بالدراسات الاجتماعية والمنظماتية ودراسات سوق العمل ومبادرات التطوير المؤسساتي والتوسع والتدقيق على النظم والعمليات فيقوم في المنظمات الناشئة سريعة النمو ببناء النظام الإداري لإدارة شؤون الأفراد، فهو يعمل على وضع الإطار العام لعمليات إدارة الموارد البشرية.

إن أعمال المستشار في بناء النظم الإدارية تضمن تحقيق أهداف طويلة المدى مثل العدالة في الأجور وفعالية جهود إدارة الأداء وقوة ماركة التوظيف الخاصة بالمنظمة فيقوم بتحديد الإطار الذي يتم من خلاله تطوير وتقييم أداء الموظفين وترقيتهم وتحفيزهم وتعويضهم وتطوير مسارهم المهني وتأمين قيادات مستقبلية للشركة من ضمن أمور أخرى، وهو يختلف عن دور الناصح الإداري Adviser أو المدرب الإداري coach، وهنا تدوينة سابقة تبين الفرق بين هذه الأدوار، وعليه فالمستشار يقدم خدمات فكرية بحثية إدارية مساندة.

نلاحظ هنا أن أعمال المستشار تساند وتدخل ضمن أعمال المدير، إلا أنه في الحقيقة نادراً ما تتمكن المنظمات من تعيين مدراء إدارة موارد بشرية يقومون ببناء النظام الإداري بذات الجودة التي يقوم بها المستشارون الجيدون طبعاً، خصوصاً إذا كانت شركات أو منظمات ناشئة وفي طور النمو، فقلما يكون لديهم الوقت الكافي للدراسة أو الخبرة الكافية لوضع نظم تبني المنظمة على المدى الطويل، وكثيراً ما ينهمك المدراء في تفاصيل الوضع الراهن وفي العمل على جذب وتعيين كفاءآت معينة وفي تأمين الموارد البشرية لعمليات الأعمال وبذلك يبتعدون عن الاهتمام ببناء نظام إداري جيد يساهم في تطوير المنظمة أو الشركة من الناحية المؤسساتية Institutional ويضمن أسس استمراراها وتكامل وانسجام مبادرات إدارة الموارد البشرية التي يقومون بها والمنطلقة أساساً من حاجات العمل والموراد البشرية الراهنة.

فالشركات الجيدة توظف أفضل المدراء لتفعيل وتطوير نظام إدارة الموارد البشرية وتحسينه وجعله مواكباً لحاجات الأعمال وبنفس الوقت محققاً لأهداف بناء المؤسسة الاحترافية واستمراريتها، وهي تقوم بتعين المستشارين لتحصل على الخدمات المساندة لأعمال المدراء والحصول على وجهات نظر احترافيه وتقوية الكفاءة والابتكار للمدراء عامة ومدراء الموارد البشرية الذين غالباً ما يقوم مدراء الأعمال بأعمالهم عندما تكون الشركات ناشئة، وهم بذلك يطورون المؤسسة والأفراد بالاستشارات والتدريب والعمل والدراسات والشراكات مع بيوت الخبرة.

المنتدى الاقتصادي العالمي وحدود إمكانياتنا!

large_OXT1OiOLiwQCWdgCLC-y6AIYZB7BWiN8y2zRGMCpl28

بينما أتابع مجريات الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس والذي يناقش كل سنة التحديات التي يواجهها العالم، بعد أن تم نقله بشكل مباشر على الانترنت وترجمت أفكار مشتركيه في العديد من المقالات والفيدوهات، أجدها فرصة لسماع الكثير من الأفكار والأطروحات واستراتجيات العمل، ولكني وفي نفس الوقت أتذكر تعليقات من حولي وزهدهم بسماع هذه الأفكار، فالكثير منهم يشعر أن واقعنا أكثر بؤساً من واقع الكثيرين في العالم وأن هذه الأفكار غير مفيدة لنا.

وبالرغم من اختلاف ظروف الشباب في كل أنحاء العالم إلا أن هناك أفكاراً بدأت تثبت أنها فعالة في كل مكان تقريباً، الفرق فقط في عدد أولئك الشباب الرواد الذين يكملون الطريق فكلما كانت التربة صالحة كلما ازداد عددهم وكلما ازداد ازدهار المجتمع، من أمثلة هذه الأفكار تلك المتعلقة بدور الأعمال والتعليم والبيئة والتنمية والتكنولوجيا.

ففي سياق الأعمال، أجد ما عبر عنه Marc Benioff، الرئيس والمدير التنفيذي لشركة Salesforce وهو أن الأعمال تعد من أهم المنصات لإحداث التغيير وحل المشكلات الاجتماعية  قوياً ببساطته، فبالقوة والتأثير والكفاءة والمال الذي تمتلكه الأعمال يمكنها أن تدعم المنظمات التنموية وأن يكون أداؤها محققاً لتطلعات الناس ومحسنناً لظروف حياتهم إذا كان لهذه الأعمال أن تستمر وأن تكون جزءاً من حياة الناس في المستقبل وداعماً لاستقرارهم ورفاهيتهم.

وإلى جانب دور الأعمال تبقى المعرفة العملة الأكثر قوة ويبقى تحسين الوضع الاقتصادي للأفراد مرتبطاً بحصولهم على تعليم بجودة عالية، وتبقى المؤسسات التعليمية الأداة الأهم في تحقيق المساواة، فبالتعليم يكتسب الطلاب مرونة في التفكير وصلابة في وجه التحديات ويحوزون على منافع تبقى معهم طول حياتهم كما ترى Drew Gilpin Faust رئيس جامعة هارفارد، حيث تلعب الجامعات دوراً مهماً في تعليم الناس خصوصاً بعد الانجازات التي حصلت في التعليم عبر الانترنت على منصات مثل Edx حيث رحبت جامعة هارفارد مثلا بستة ملايين طالب في صفوفها الافتراضية، وإلى جانب دورها في نشر التعليم، تضم الجامعات مراكز الأبحاث التي تدرس مشكلات العالم التنموية من زوايا متنوعة وتشكل مكاناً يمكن أن يتقاطع فيه الاقتصاد، التعليم، الإدارة الحكومية، القانون، الفلسفة، الصحة العامة، السياسات العامة بمشاركين خبراء أكاديميين وممارسبن مستفيدين من تجاربهم ووجهات نظرهم الغنية المتباينة.

فينما تشكل الأعمال منصة للتغيير، وتشكل المعرفة المكون الأهم في بناء القادة والمحترفين، تحتفظ التكنولوجيا بالدور الأكثر قوة في تحويل الأفكار إلى نتائج ملموسة، بحيث تجعل المستقبل أبعد مما نتخيل ونحلم، حيث تؤكد Alice Gast رئيس Imperial College London على الاستثمار في البحث الذي يركز على المدى البعيد وليس على إيجاد أجوبة للأسئلة الحالية، مبينة أن ذلك جهد لابد أن تتعاون فيه الحكومات والأعمال والمنظمات التنموية ومراكز الأبحاث والجامعات ليستمر ويزدهر.

وإلى جانب المحاور سابقة الذكر، يشكل الاهتمام بالبيئة وبكوكب الأرض حجر الأساس في تحقيق تطلعات الناس وأهداف الألفية المستدامة ، فلن يجد العاملون عملاً في كوكب ميت، هكذا ببساطة بكلمات  Sharan Burrow، إن الأعمال التي ستبقى وتزدهر تلك التي تعمل على تحسين حياة الناس وتقدم خدمات ومنتجات تساعد في تحقيق أهداف التنمية المستدامة 17 التي حددتها الأمم المتحدة، إنها بذلك تتبع الميول المستقبلية وتكون في موقع قوي مستعدة للنمو والازدهار،كما تقول Katherine Garrett-Cox، الرئيس التنفيذي لـ Alliance Trust.

وبينما يجد الشباب في أمريكا الشمالية وأوربا وروسيا وآسيا أن الاقتصاد هو الأمر الأكثر مدعاة للقلق، يجد الشباب في افريقيا والشرق الأوسط أن الإرهاب وعدم الاستقرار الاجتماعي هي الأمور التي تشكل هاجساً لهم حسب نتائج استطلاع منظمة Telefonica.

A6lAGlKn8Py_6LOmq8-HTpYJ1CRuwXelcronEd1Ld_w

ومن المفارقة أن الأدوات التي يمكن أن تستخدم في تقوية الاقتصاد هي تلك التي تحصن المجتمعات من الارهاب وعدم الاستقرار الاجتماعي، فللأعمال الجيدة دور كبير في الحد من عدم الاستقرار الاجتماعي والهجرة الجماعية تلك الأمور التي تشكل خطراً حقيقاً على كل البلدان مهما كانت درجة تطورها كما بين ذلك برفيسور كلاوس شواب Klaus Schwab المؤسس والرئيس للمنتدى الاقتصادي العالمي في كتابه الثورة الصناعية الرابعة The Fourth Industrial Revolution.

هذه الأفكار التي بدأت تثبت جدواها لابد أن تجد فرصة للعمل أيضاً في مجتمعاتنا، وبالنظر إلى النخبة في العالم من مؤسسين ومدراء تنفيذيين لمنظمات فاعلة كأولئك المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي، يترسخ الاعتقاد أن الوحدات الاجتماعية التي يستطيع الناس من خلالها إحداث التغيير وتحسين الحياة هي المنظمات والأعمال الجيدة، فهي الأدوات التي يمكن من خلالها تقديم المنتجات والخدمات التي تقدم الرعاية والتعليم وشروط الحياة الجيدة والفرص التي تجعل الناس مشاركين فاعلين في مجتمعاتهم.

إن المنظمات المصصمة والمنفذة بشكل جيد والتي يشكل المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس أحدها تشكل أيضاً منارة للأفكار ومنبعاً للإلهام للأجيال، والمثير في الأمر أن إنشاء المنظمات الفعالة هو أمر يكاد يكون في حدود مقدرات كل منا، فالعمل على تطوير البيئة الجيدة لازدهار المنظمات وتشجيع مزيد من الرواد  ربما يكون الأمر الأهم الذي تحتاجه مجتمعاتنا اليوم لتتطور وتزدهر.

الوقف والمنظمات الاجتماعية اليوم

صورةمقدمة

لعل من الأشياء الجميلة التي دعا إليها رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم والتي يتعاظم دورها في عالمنا المعاصر هي الحض على الأوقاف وتنظيمها، حيث تسن لها القوانيين لتعزيز دورها في التنمية ومكافحة الفقر وتقوية المجتمع المدني.

ولكن ماهو الوقف الإسلامي الذي نتحدث عنه، وكيف يتعاظم دوره في عالم اليوم، سنتحدث هنا باختصار عن الوقف الإسلامي كما أمر به رسول الله، وحال الأوقاف في البلاد الإسلامية وفي شرق المتوسط، وأمثلة الوقف أو مفهوم قفل الأصول في العالم اليوم، والتطورات التي حدثت لتشجيع الناس على الوقف في بعض البلدان العربية بما فيها أدوات إنشاء الصيغة الوقفية لنختم بتحية لأولئك الذين يوقفون من أموالهم للأمة.

الوقف الإسلامي

فالوقف هو حبس الأصل وتسييل الثمرة، حسب قوله صلى الله عليه وسلم ” لايباع أصلها ولايوهب ولايورث”[1]، ويكون الأصل أي شيئ يتم به كسب المال أو يتم به تأمين خدمة للناس فلا يتم التصرف به ونقل ملكيته وإنما يستخدم نفسه أو تنفق ثمرته في أعمال الخير وفي إصلاح وتطوير الأصل وأجور المشرفين أو النّظار ومعيشة الأبناء في كثير من الأحيان.

فإنشاء وقف إسلامي هو بمثابة إنشاء مؤسسة اقتصادية ذات وجود دائم أو مؤقت حسب نوع الوقف، فهو عملية استثمار تراكمي للمستقبل، ولبناء ثروة إنتاجية للأجيال القادمة، توزع خيراتها المستقبلية على أغراض الوقف بشكل منافع وخدمات أو إيرادات وعوائد.

والوقف قطاع ثالث لايدخل في القطاع الخاص الذي يراد به المنفعة الشخصية ولا القطاع العام الذي يؤل أمره إلى الحكومة، فعن ابن عمر رضي الله عنه قال” أصاب عمر أرضاً بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس منها فكيف تأمرني به؟ قال: إن شئت أصلحها وتصدق بها، فتصدق بها عمر أنه لايباع أصلها ولايوهب ولايورث في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل لاجناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقاً غير متمول فيه”[2].

الوقف في البلاد الإسلامية تاريخياً

ومن الملاحظ أن إدارة الوقف في بعض البلاد الإسلامية وخاصة شرق المتوسط ومنها سوريا تعود إلى الدولة وهذا الأمر حديث نسبياً فقد حدث هذا التغيير على الأوقاف التي كانت إدارتها للنّظار يعينهم الواقف حين أنشأت وزارة الأوقاف التي أوكلت لها مهمة إدارة الأوقاف الإسلامية المباشرة بنوعيها الديني والخيري كما أوكل إليها دور الإشراف على نظار الأوقاف الإسلامية الاستثمارية والذرية (العائلية التي تنفق أموالها على الذراري) وذلك في منتصف القرن التاسع عشر حيث صدر قانون الأوقاف العثماني، والذي كان مسوغه الفساد في دوائر النّظار ولكن القانون لم يعالج المشكلة فقد انتقل الفساد إلى الدوائر الحكومية مع مجموعة من الأضرار الأخرى منها أن رجال الدين أصبحوا موظفين في الحكومة بعد أن كانت الأوقاف تؤمن لهم دخلاً مستقلاً، ثم جرت يد المستعمر في الأوقاف بالمصادرة وتحويل لملكية الحكومة أو ملكية الأشخاص ذوي الحظوة، ثم أتت فترة الاستقلال التي لم تصلح هذا الأمر[3].

أمثلة الوقف الاستثماري المعاصرة

ومن الأمثلة المعاصرة عن الوقف الاستثماري ما يعرف في بريطانبا بـ Community Interest Companies [4 أو اختصاراً CIC، وفيها يتعهد المالكون بما يدعى قفل الأصول أو Asset Lock [5 وهي أن استخدامهم للأصل سيكون لخدمة أغراض اجتماعية وليس لهدف شخصي، ويحق لهم ولورثتهم الحصول على جزء من العائدات تحدد نسبتها أما بقية العائدات فيعود نفعها للمجتمع، وهذا المفهوم “قفل الأصول” يستخدم في المنظمات الخيرية charities والمؤسسات Foundations و Trust ولكل منها قوانينها الحاكمة الخاصة التي يمكن مراجعة مثال عنها في القوانين البريطانية[6]، فهناك فروق قانونية بينها.[7]

ومن الأمثلة المهمة أيضاً هي المؤسسات غير الربحية Non-profit Foundations في كل من أمريكا وبريطانيا وتركيا على سبيل المثال حيث أن أرباحها تعود لرأس المال وليس تضاف إلى ثروة أصحابها، ولمؤسسيها سلطة في تعيين مجلس إدارتها وفي الفعاليات التي تقوم بها، ولا تنتقل بالإرث ويحق لهم بيع أصولها فقط بما يخدم المصلحة التي أنشأت لأجلها وهي القيام بالخدمة الاجتماعية واختيار طرق الإدارة الأكثر فعالية وكفاءة للقيام بذلك.

الوقف الإسلامي اليوم

ليؤسس المرء وقفاً لابد أن يهتم بالصيغة الوقفية أو مايدعى الوثائق الحاكمة Governing Docs [8 وهي الدستور الذي سيحكم حياة الوقف ويرشد النّظار أو المشرفين، قامت السعودية بتحسينات على أمور إنشاء وإدارة الأوقاف وقام رئيس المحكمة العامة في محافظة القطيف الشيخ سعد بن محمد بن سعد المهنا بكتابة كتاب لطيف ومهم بعنوان “ثلاثون خطوة لوقف مميز” قدمه الشيخ الدكتور رئيس المجلس الأعلى للقضاء صالح بن عبد الله بن حميد، بالتعاون مع مؤسسة عبد الرحمن بن صالح الراجحي وأولاده للإستثمار وتم رفدها بموقع يسهل انجاز الصيغة.[9]

أما بالنسبة لبلاد شرق المتوسط فيقوم الواقف بإدارة وقفه الاستثماري أو الذري أثناء حياته قانوناً وربما يقوم على تفويض صلاحياته إلى مجلس إدارة يقومون مقام مجلس النظار فينشئ مؤسسة تجارية تقوم بأعمال اجتماعية وتمول نفسها بأعمال استثمارية، ثم توكل أمور إدارتها بوصية لأبنائه وورثته أو من يراه مناسباً يربيهم الواقف على الأخلاق وعمل الخير وإدارة المنظمات الاجتماعية والأعمال، ليديروا هذه الأوقاف من بعده.

الواقفون أولئك الأبرار

وإذا أنظر إلى هذه الأمثلة أشعر باحترام شديد للجهد التي يمكن أن يقوم به فرد لخدمة مجتمعه بشكل مستدام يعود نفعه على الأجيال إذا ينشئ منظمة وقفية يعود نفعها للصالح العالم وتصرف في حل مشاكل اجتماعية قد لا تهتم بها الحكومة بالشكل الكافي ولايجد فيها المستمثرون جاذبية خاصة، وهذا ما تسعى إليه المنظمات الاجتماعية في كل أنحاء العالم ، وهناك أيضاً من يستغلون هذه الأدوات أيضاً.[10]

 

المراجع

[1] صفحة 27 من كتاب “ثلاثون خطوة لوقف مميز”، الشيخ سعد بن محمد بن سعد المهنا، رابط الكتاب.

[2]  المرجع السابق.

[3]  منذر القحف ، دراسات هامة في الموقع، د. محمود عكام، حال الأوقاف في سورية.

[4]  https://www.gov.uk/set-up-a-social-enterprise

[5]   https://en.wikipedia.org/wiki/Asset_lock

[6]  https://www.gov.uk/charity-types-how-to-choose-a-structure

[7]  الفرق بين Trust و Foundation في القانون البريطاني، رابط الملف، مؤسسة Nerine

[8]  https://www.gov.uk/how-to-write-your-charitys-governing-document

[9]  موقع الصيغة الوقفية هنا، شرح عن ميزات الموقع في موقع مزن هنا.

[10]  كطريقة من طرق التهرب من الضرائب، مقالة هنا في الموضوع.